السيد محمد تقي المدرسي

156

من هدى القرآن

بالشيء وحوله ، والطائف الذي يقوم بذلك الفعل ، ولقد قال المفسرون : إنه العذاب ، وقد يكون تأويله بالريح المدمرة ، أو طوفان الرمل ، أو الماء العاتي ، أو الجراد تأكل الثمر وكأنها تصرمه ، ولعل الأخير أقرب الاحتمالات . . يقال : طاف الجراد إذا ملأ الأرض كالطوفان . « فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ » وكأن أحدا سبقهم إلى صرمها ، وهكذا يواجه مكر الله مكر الإنسان فيدعه هباء منثورا « وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ » [ آل عمران : 54 ] ، وإذا استطاعوا أن يخفوا مكرهم عن المساكين فهل استطاعوا أن يخفوه عن عالم الغيب والشهادة ؟ كلا . . وأرسل الله طائفة ليثبت لهم هذه الحقيقة ، وربما جعله ليلا « وَهُمْ نَائِمُونَ » لتكون القضية أعمق أثرا حيث يعلمون أن الجزاء من جنس العمل ، فكما أنهم أخفوا مكرهم عن أولئك كذلك أخفى الله مكره عنهم فما جعلهم يعاينونه . [ 21 - 33 ] ولأن من طبيعة الإنسان أنه سريع الانتباه من الرقاد عند انتظار أمر هام ، فإنهم كانوا - فيما يبدو - أيقاظا قبيل الصبح « فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ » نادى بعضهم بعضا ، وأجمعوا بالفعل على ضرورة التبكير في الذهاب إلى الجنة وصرمها ، واستحث بعضهم بعضا « أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ » أي إذا كنتم تريدون الوقت الأنسب للصرم من دون استثناء فلا أنسب من الغدو ، وهو السعي أول الصبح . وأصل الحرث من قلب الأرض بآلة الحراثة ، وحرثكم يعنون الذي أتعبتم أنفسكم حتى حرثتموه ، وفي ذلك استثارة للذات ، بأنكم الذين أجهدتم أنفسكم وحرثتم الأرض وزرعتموها وناضلتم منذ البداية حتى أثمرت . . فأنتم وحدكم إذن الذين يجب أن يكون لكم النتاج لا يشارككم فيه أحد من الناس . « فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ » في سرعة متأنية محفوفة بالحيطة والحذر من الفضيحة ، لكي ينجزوا المهمة لو أمكنهم قبل استيقاظ المساكين ورواحهم إلى حوائجهم . والتخافت ، نقيض الجهر والإعلان ، فهو التسار ، ويبدو أنهم يدعون بعضهم إلى المزيد من الكتمان والتخفي . أو كانوا في أثناء انطلاقهم إلى الصرم يتناجون الحديث والتآمر . وعملوا المستحيل من أجل همهم الشاغل الذي تخافتوا به طيلة الطريق إلى جنتهم ، وهو إخفاء الأمر على المعوزين حتى لا يسألوهم شيئا مما يصرمون . « أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ » « مِسْكِينٌ » والمسكين هو المعوز الذي لا يملك حتى قوت يومه ، والآية تدل على مدى شحهم إذ لا يريدون أن يتعطفوا حتى على واحد ولو كان من أحوج الناس ! وأكدوا على ذلك اليوم بالذات لأنه يوم الصرم والقسمة ، فلا يضرهم أن يدخل المساكين بعده إذ لا ثمر ولا قسمة ، والآية تعكس ظاهرة كانت شائعة في ذلك المجتمع وهي أن المساكين والمعوزين يدخلون المزارع والبساتين في مواسم الجني والحصاد والصرم ، ولعلهم كانوا يحاولون التعرف على اليوم الذي يبادر فيه الملاك إلى ذلك فيطوفون عليهم في حقولهم طمعا في المساعدة والإعانة ، ولعل والد الإخوة الخمسة ( أصحاب الجنة ) الذي توفي